ابن أبي شريف المقدسي
183
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
البهيمة أشد من خصومة المسلم يوم القيامة ، كخصومة الذمي ) فإنها أشد من خصومة المسلم يوم القيامة . ويشهد لهذا حديث أبي داود : « من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة » « 1 » ، ومن كان أبلغ الخلق صلى اللّه عليه وسلم حجيجه فخصومته أشد . وورد الوعيد الشديد في البهيمة ، ففي صحيح البخاري وغيره : « دخلت امرأة النار في هرة ؛ ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض » « 2 » وخشاش الأرض : بتثليث الخاء المعجمة وبشينين معجمتين هو حشرات الأرض والعصافير ونحوها « 3 » . وقوله : ( وقد لا تدرك ) قسيم لقوله فيما سبق : « فقد تدرك » ، أي : وقد لا تدرك الحكمة في الإيلام ( كما في ) إيلام ( البهائم ونحوها ) من الأطفال الذين لا تمييز لهم بالأمراض ونحوها ، ( فيحكم بحسنه قطعا ) إذ لا قبح بالنسبة إليه وفاقا ( ويعتقد فيه ) أي : في ذلك الإيلام ( قطعا ) دون تردد ( حكمة ) للّه سبحانه ، ( قصرنا ) أي : قصرت عقولنا ( عن دركها ، فيجب التسليم له ) تعالى فيما يفعله ، ( و ) يجب ( اعتقاد الحقية في فعله ) أي : أنه حق أي مستحق له سبحانه إذ هو تصرف فيما يملك ، ( و ) يجب ( ترك الاعتراض ) لقصور العقول عن إدراك الحكم الإلهية ( له الحكم ) كما قال تعالى : لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( سورة القصص : 70 ) ، ( و ) له ( الأمر ) كما قال تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ( سورة الأعراف : 54 ) لا شريك له في إيجاد شيء من المخلوقات ، ولا في إمداده بالبقاء ، ولا في إعدامه بالفناء ، ولا في استحقاق امتثال أمره ونهيه سبحانه ( لا يسأل عما يفعل بحكم ربوبيته ) أي : ملكه لكل شيء ، الملك الحقيقي ( وكمال علمه ) القديم المحيط بكل شيء أزلا وأبدا ( وحكمته الباهرة التي قد يقصر عن دركها عقول الكمّل ) من عباده ، جمع « كامل » ، كما قال تعالى : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( سورة البقرة : 216 ) وهم ) أي : العباد ( يسألون بحكم العبودية والمملوكية ) لاقتضائها أن العبد
--> ( 1 ) رواه أبو داود برقم : ( 3052 ) بلفظ : « ألا من ظلم » ، وفي إسناده مجاهيل ، عن صفوان بن سليم . ( 2 ) رواه البخاري في بدء الخلق ، باب خمس من الدواب . . . رقم : ( 3318 ) ، ومسلم رقم : ( 2242 ) . ( 3 ) انظر : مختار الصحاح ، ص 176 .